عماد الدين خليل
57
دراسة في السيرة
أندية القرشيين ومعه فتيان بني هاشم والمطلب ، و ؟ ؟ راح يقول لهم : « يا معشر قريش ، هل تدرون ما هممت به ؟ قالوا : لا ، فأخبرهم الخبر وقال للفتيان : اكشفوا عما في أيديكم ، فكشفوا فإذا كل رجل منهم يحمل حديدة صارمة . فقال : واللّه لو قتلتموه ما بقيت ومنكم أحدا حتى نتفانى نحن وأنتم . فانكسر القوم ، وكان أبو جهل أشدهم انكسارا « 1 » . ولعل هذه الرواية تفسّر لنا لماذا سكت القرشيون في السنين التالية عن وقف خطر انتشار الدعوة بقتل الرسول ، واكتفائهم بفتنة ضعاف المسلمين ، وأنهم لم يعودوا إلى اعتماد أسلوب الاغتيال إلا بعد أن حزب الأمر ، وامتد نشاط الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى خارج مكة وبدأ المسلمون هجرتهم صوب يثرب لتأسيس دولتهم هناك . أدركت قريش ألا جدوى من أية محاولة تبذل لاستمالة أبي طالب ووقف حمايته للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فقررت أن تدع أسلوب المفاوضة والحوار إلى العنف والقوة ، وأن تعلن حربها ضد الدعوة الجديدة والمنتمين إليها ، وأن تدفع كل قبيلة منها إلى أن تنقضّ على المسلمين من أبنائها فتعمل فيهم تعذيبا وتفتنهم عن دينهم ، فنفذت القبائل تعليمات الزعامة الوثنية وصبّت على رؤوس المسلمين عذابها ومطارداتها وأذاها ، وأغرت سفهاءها بالرسول صلى اللّه عليه وسلم فكذبوه وأذوه واتهموه بالسحر والشعر والكهانة والجنون ، ومحمد ماض في هجومه على دينهم واعتزال أوثانهم ورفض قيمهم وأعرافهم . وكانوا يجتمعون قريبا من الكعبة حتى إذا طاف بها الرسول صلى اللّه عليه وسلم غمزوه ببعض القول فكان يرد عليهم « أتسمعون يا معشر قريش ؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح » « 2 » وعندما كانوا يأخذون بمجامع ردائه ويقولون له أنت الذي تقول كذا وكذا في عيب آلهتنا وديننا ، كان يجيبهم بصراحة لا التواء فيها « نعم أنا الذي أقول ذلك » . وسعى أحدهم - مرة - إلى إلحاق الأذى به فلوى ثوبه في عنقه وخنقه خنقا شديدا ، فنافح أبو بكر دونه وهو يقول « أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللّه ؟ » « 3 » . وقال أبو جهل ، وقد أغاظه ازدياد أتباع النبي يوما بعد يوم : واللّه لئن رأيت محمدا يصلي ، لأطأن رقبته . فبلغه أنه يصلي فأقبل مسرعا فقال : ألم أنهك
--> ( 1 ) الطبقات 1 / 1 / 135 . ( 2 ) كناية عن الهلاك إن لم يؤمنوا ( عن تهذيب سيرة ابن هشام ) . ( 3 ) ابن هشام ص 57 - 60 ، الطبري : تاريخ 2 / 332 - 333 .